أمر الله سبحانه وتعالى عباده بالفرار والهروب من المعاصي والذنوب إلى الطاعات وفعل الحسنات ووعدهم على ذلك أتم الأجر وأكمله يقول الله تعالى : {فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} (50) سورة الذاريات
فالمعاصي سبب لكل بلاء وكل عناء، وطريق لكل شقاء فما حلت بديار إلا أهلكتها ولا فشت في مجتمعات إلا دمرتها وما هلك من هلك إلا بالذنوب وما نجا من نجا بعد رحمة الله إلا بالطاعة والتوبة وإن ما يصيب الناس من ضر وضيق في أبدانهم وذرياتهم وأرزاقهم وأوطانهم إنما هو بسبب معاصيهم وما كسبته أيديهم قال تعالى: (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير) وإن ضرر المعاصي وشؤمها عظيم وخطير على الفرد والجماعات لمن تأمل وأنار الله بصيرته دل على ذلك النصوص الشرعية والواقع المشاهد فمن آثار خطورة الذنوب والمعاصي أنها تذهب العلم وتضعف الحفظ وتحرم صاحبها من نور العلم فالعلم نور يقذفه الله في القلب والمعصية تطفئه، قال الإمام مالك رحمه الله للشافعي لما رأى فطنته وذكاءه: «إني أرى الله قد ألقى على قلبك نوراً فلا تطفئه بظلمة المعصية». وقال الشافعي رحمه الله
شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي وقال اعلم بأن العلم نور ونور الله لا يعطاه عاصي
وقال أحد السلف: نسيت القرآن بذنب عملته منذ أربعين سنة وإن المعاصي سبب لحرمان الرزق: كما في الأثر: (إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه). رواه أحمد.
ومن آثار المعاصي وحشة يجدها العاصي في قلبه بينه وبين الله وبينه وبين الناس وكلما قويت هذه الوحشة بعد العاصي عن مجالسة أهل الخير وقرب من حزب الشيطان وأهله.
ومن آثار المعاصي أنها سبب لتعسير الأمور، فكما أنه من يتق الله يجعل له من أمره يسراً، فالعاصي لله بسبب معصيته يجعل الله له من أمره عسرا.
ومن آثار المعاصي ظلمة يجدها العاصي في قلبه ووجهه: فتقوى هذه الظلمة حتى تظهر على الوجه يراها كل أحد، قال ابن عباس رضي الله عنهما: (إن للحسنة ضياء في الوجه ونوراً في القلب، وإن للسيئة سواداً في الوجه وظلمة في القبر والقلب). ومن أضرار الذنوب والمعاصي أنها تضعف وتبعد صاحبها عن العبادة: كما قال رجل للحسن: يا أبا سعيد! إني أبيت معافى، وأحب قيام الليل، وأعد طهوري، فما بالي لا أقوم؟ فقال: «ذنوبك قيدتك». وقال الحسن أيضاً: «إن الرجل ليذنب الذنب فيحرم به قيام الليل».
وقال الثوري: «حرمت قيام الليل خمسة أشهر بذنب أذنبته». وقال بعض السلف: «كم من أكلة ـ يعني من حرام ـ منعت قيام ليلة، وكم من نظرة ـ يعني حرام ـ منعت قراءة سورة».
ومن شؤم المعصية أنها تمنع القطر من السماء: ففي سنن ابن ماجه عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القِطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا). وقال مجاهد في قوله تعالى: (وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ)، قال: «دواب الأرض تلعنهم، يقولون: يمنع عنا القطر بخطاياهم». وقال عكرمة: «دواب الأرض وهوامها حتى الخنافس والعقارب يقولون: منعنا القطر بذنوب بني آدم». وقال أبو هريرة رضي الله عنه: «إن الحبارى لتموت في وكرها من ظلم الظالم».
مقولة جميلة ونصيحة جليلة تمثل قاعدة صادقة وواقعية يقدمها الإمام ابن الجوزي لكل من أراد السلامة في دينه ودنياه ساقها في كتابه الماتع "صيد الخاطر" حيث يقول: " من قارب الفتنة بعدت عنه السلامة، ومن ادعى الصبر وكل إلى نفسه، وربَّ نظرةٍ لم تناظِر. وأحق الأشياء بالضبط والقهر - اللسان والعين ـ؛ فإياك أن تغتر بعزمك على ترك الهوى مع مقاربة الفتنة فإن الهوى مكايد، وكم من شجاع في صف الحرب اغتيل، فأتاه ما لم يحتسب ممن يأنف النظر إليه ولا شك أنه رحمه الله أخذ هذه القاعدة من كلام الله فقد ساقها الله تعالى للمؤمنين في كتابه العزيز في معرض التحذير من المعاصي والترهيب من الوقوع فيها فدائما ينهى عن القرب منه ويدعو إلى الفرار بعيدا عنها، قبل أن ينهى عن الوقوع فيها لأن مقاربة الفتن والمعاصي والذنوب مؤذن باقترافها والوقوع فيها. يقول تعالى: {ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق}.وقوله تعالى : {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده}، إن الإنسان يبقى بخير مادام بعيدا عن الفتن والمعاصي والسيئات إذا تبدت إليه هرب منها وإذا رآها مقبلة فر عنها، وأغلق على نفسه أبوابها، وأحكم سداد منافذها حتى لا تجد إليه سبيلا، فهو يعيش في عافية وسلامة، قد أراح واستراح فإذا ما طرق العبد أبواب الفتن وسبل الشهوة، وتهاون في رد الشبهات، وإغلاق الأبواب أمام
المغريات، انفتحت عليه أبواب البليات، فكم من قدم زلت بعد ثبوتها، وكم ممن غرق في بحر الشهواتوالشبهات بعد أن جرفه التيار فأغرقه في لججه وقد عاش زمانا على شاطئ السلامة.
إن الفرار من الفتن يحمي صاحبه من مقارفة الذنوب، والوقوع في المعاصي، والمتجرئ على الشبهات وبدايات المحرمات غالبا ما يقع فيها، فإن تعرض للفتن استشرفت له، ومن رعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ومن تساهل في الشبهات وقع في الحرام ولا بد. كما قال عليه الصلاة والسلام: [فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات فقد وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وأن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه](رواه البخاري ومسلم).
كم من فتى كان في صيانة وتعفف حتى سول له إبليس أن ينظر إلى صور العاريات ـ ولو من باب حب الاستطلاع ـ فزلت قدمه وتعلق قلبه فغرق في الوحل، حتى صار يومه كله أمام الشاشة يبحث عن الجديد والعجيب، ونفسه لا تكاد تكف عن طلب المزيد، فمثله كمثل شارب ماء البحر، كلما ازداد شربا ازداد عطشا، كلما أراد التوبة لم يقدر، وكلما عاهد ربه نقض عهده وغلبته الشهوة؛ فعاد إلى ما كان بل أشد.. ولو أغلق الباب من أوله لكانت السلامة.
إن وضع سماعة الهاتف عند سماع صوت المغازل كفيل بإنهاء قصص المرارات التي عاشها أناس تهاونوا في رد أبواب الشر، فهدمت بيوت، وتشتت أسر، ووقعت خيانات زوجية وفضائح مدوية، وما زالت الحلقات تتوالى، ومن لم يتعظ بغيره لم تنفعه المواعظ.
كم من إنسان وقع في الفاحشة بسبب نظرة، فالنظر (كما يقول ابن القيم) "أصل عامة الحوادث التي تصيب الإنسان، فالنظرة تولد خطرة، ثم تولد الخطرة فكرة، ثم تولد الفكرة شهوة، ثم تولد الشهوة إرادة، ثم تقوى فتصير عزيمة جازمة، فيقع الفعل ولا بد، ما لم يمنع منه مانع، وفي هذا قيل: "الصبر على غض البصر أيسر من الصبر على ألم ما بعده"(صيد الخاطر:41).
ولو أغلق عينه لحظة لأغلق الباب على إبليس، وعاش في سلامة.
كل الحوادث مبداها من النظر .. .. ومعظم النار من مستصغر الشرر
كم نظــرة بلغت في قلب صاحبها .. .. كمبلغ السهـم بين القوس والوتر
والعــبد ما دام ذا طـرف يقلبه.. .. في أعين العين موقوف على الخطر
يســـر مقلــته ما ضـــر مهجته .. .. لا مرحــبا بســرور عـاد بالضرر
إن علامة العقل والإيمان غلق أبواب الفتن والبعد عن بواعث المعصية والزلل علامة على صحة العقل وقوة الإيمان والدين، غير أن بعض الناس ربما غره شيء من دين وصلاح أو حسن خلق أو استقامة فيه؛ فيحسن الظن بنفسه فيتهاون في أحذ الحيطة والحذر وينسى أن طرق الشيطان متشعبة ووسائله متعددة لا نهاية لها، وأه لا ييأس من عبد أبدا حتى تفارق روحه جسده، وأنه أشد على أهل الاستقامة من غيرهم.
إن علم الشيطان بالنفس ومحبوباتها وخبايا زواياها وما يستهويها يجعله يدخل إليها من كل باب، فإذا انسد أمامه باب دخل من غيره، وربما فتح للعبد مائة باب من الخير ليوقعه في باب من الشر، فلعلها كانت القاصمة، وقد حذرنا الله من خطواته أشد التحذير: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ} (النور:21)
لقد ضل عابد بني إسرائيل بعد طول عبادة؛ لأنه لم يدفع عن نفسه خطوات الشيطان، فما زال به الشيطان حتى زنى وقتل، ثم لم يرض منه بذلك حتى كفر بالله رب العالمين: {كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ}(الحشر:16).
ونسأل الله أن يجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يعيننا على التوبة إليه في كل وقت وحين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
وذلك في حال أن يكون الإنسان خائفاً على نفسه وعلى أهله من الوقوع في الفتن والشبهات والشهوات أو الانجرار إلى المعاصي مع عامة الناس، إذا لم يقبلوا النصح والإرشاد.
فما أحوجنا إلى أن نفر من المعاصي، ونحتمي بالله تعالى الذي يجير من استجار به، والتجأ إليه.
فلا تعرض نفسك للبلاء، وفر من المعاصي فرارك من الأسد، فإنها أشد ضراوة منه، وتوق سهام السيئات فإن لها جراحات، ورب جرح أصاب في مقتل، وأغلق عنك أبواب الفتن فإن أبوابها تفتح عليك أبواب النيران، فتحرق إيمان قلبك ولا ينجيك منها إلا البعد والفرار عنها، فمن قارب الفتنة بعدت عنه السلامة.




.jpg)

.jpg)
.jpg)

.jpg)



.jpg)
.jpg)


