الكاتبة ـ مريم سليمان الجهني .
يكمن مفتاح صغير يُسمى اللين، يفتح أصعب الأبواب ويحوّل القلوب المغلقة إلى مساحات من الحب والود. فالقلوب لا تُفتح بالقسوة، ولا تظل المودة حيّة بالإلتزام الصلب بالرأي.
فاللين خيوط من الحب تُنسج بين كفوف المحبين، تنتج وشاح الدفء بينهم، وتُبقي المودة حيّة. كما قال الله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾، و**﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ﴾**. فاللين والرحمة يلينان القلوب، ويحوّلان العناد إلى استجابة، ويزرعان القبول بين الناس.
وقال النبي ﷺ: “إن الله رفيق يحب الرفق في كل شيء”، و*“إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه”*، لتتجلى الحكمة: أن اللين ليس ضعفًا، بل عمود كل علاقة، وأساسًا للمحبة والمودة.
فنحن بشر، خُلقنا من طين؛ لينٌ يذوب بالماء، ويُشكَّل فيظهر بأجمل صورة، لا من حديدٍ يُقسى بالنار ويصلب. وحين نقول: «هذه قناعاتي أو رأيي لا أتنازل عنه»، فليست عبارة عابرة، بل تشبثٌ متعجرف غير قابل للنقاش، يضع حدًّا ويقطع العلاقة.
بل تعكس من أنا، وماذا أكون لمن أحب. ومن يريد البقاء، يزرع العطاء، ويحوّل العناد إلى نقاش واتخاذ القرار، ويختار التنازل بحب ووعي، لا استسلامًا أو ضعفًا.
وفي الحب والعلاقات الإنسانية، التنازل المتبادل وسيلة للحفاظ على الخيط الرقيق الذي يربطنا بمن نحب. أحيانًا نخضع ونتنازل، ليس هوانًا، بل محبة صافية ورغبة في إسعاد الآخر والحفاظ على المودة حيّة.
فليس كل ما أحب، تحبه أنت؛ وإنما أحب من أجل من نحب. وليس دائمًا آراؤك أو قراراتك هي الصحيحة، لكننا أحيانًا نُصحّح ونلين لأجل البقاء مع من نحب، ولحفظ المودة بيننا. لم نُخلق لنشارك نفس التفكير أو القناعات ، لكن القلوب أحيانًا تُسرّ بمن نحب، فتُلين آراؤنا وتفتح مجالًا للتنازل والمحبة، لا لأن أحدًا أقنعنا، بل لأن من نحب يستحق أن نغيّر لأجله، وأن نجعل من اختلافنا مساحة قرب لا سبب ابتعاد.
نحن نُظهر رضا قلوبنا، ونعطي فسحة للحب لينمو، ونحوّل كل لحظة مشتركة إلى فرصة لإظهار الإهتمام والإحترام. من أراد إبقاء الود والمحبة فضلاً لا جبراً، يفتح الباب موربًا لعودة من يحب، أما من يغلق الباب بالتعصب فلا يرجو عودة الزائر ثانية.
فهذه السياسة نتمسّك بها مع من نحبّ ونُقدّر بقاؤه في حياتنا. فالقسوة والتمسّك بالرأي لا مكان لهما إلا لتفصل بين القلوب وتترك كل شخص يعيش منفردًا. نحن نلين من أجل من نحب، وعندما يخالجنا الخوف من النقاش، تُبنى بيننا حواجز تحدد المسافات، دون عودة إلى الوراء.
في العلاقات العملية واليومية، نتعلم أن التنازل لا يعني التخلي عن المبادئ، بل المرونة والفهم والقدرة على تقدير المواقف. التنازل يحافظ على الإستقرار، ويجعل كل تعامل أكثر لطفًا ودفئًا، ويترك أثرًا إيجابيًا في النفوس ويقوي الروابط بين البشر.
وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول:
“يكون بيني وبين الناس شعرة؛ إن شدّوها أرخيتها، وإن أرخوها شددتها”
حكمة تعلمنا أن الود الحقيقي ليس في القوة أو التصلب، بل في معرفة التوقيت، واللين، ومراعاة القلوب.
أما من يغلق باب التنازل بالتشبث بالرأي والعناد، فإن قلبه يبتعد عن من يحب، ويخلق فجوة يصعب سدّها. فالحب لا يُبنى على الصلابة أو الإنتصار للنفس، بل على اللين، والرحمة، والتنازل الواعي. العناد يطفئ شعلة المودة، ويحوّل اللحظات المشتركة إلى صراع، مهما كانت الروابط قوية، سواء بين زوجين، إخوة، أصدقاء، أو زملاء عمل.
التشبث بالرأي بدون مرونة يجعل القلوب باردة ويغلق الباب أمام فرصة التفاهم والتقارب، بينما التنازل المبني على الحب والإحترام يبقي المحبة حيّة، ويزرع الثقة والمودة في النفوس. إن من يريد أن يديم العلاقة ويقويها، يعلم أن اللين والتنازل ليسا ضعفًا، بل حكمة وعطاء، وأن العناد هو المقص الحقيقي الذي قد يقطع خيوط الحب إلى الأبد.
⸻
الخاتمة
ولنتذكر دائمًا أن التنازل لا يكون أبدًا على حساب مبادئنا وقيمنا، بل يكون ضمن حدود القبول، دون أن نفقد عمود التربية أو أصول تقاليدنا. فهو سقف يحفظنا معًا، يمنع هطول أمطار من أجواء مختلفة عن سمائنا، ويحول الخلافات إلى نسمات هادئة، ويجعل من كل اختلاف فرصة لفهم الآخر، لا للإبتعاد. بذلك، يظل الحب حيًا، والمودة مستمرة، والعلاقات قائمة على الإحترام والوعي، دون أن تتعرّض روحنا للإنكسار أو القلب للغربة .


.jpg)

.jpg)







.jpg)
.jpg)



.jpg)