بوابة صدى الحجاز الإلكترونية 

السبت, 19 يناير 2019 01:52 صباحًا 0 774 0
التايلورية التي لعنها التاريخ
التايلورية التي لعنها التاريخ

التايلورية .. التي لعنها التاريخ


الكاتب - الدكتور/ سلطان المطيري


كان المهندس الشاب فريدريك تايلور يعيش إبان الثورة الصناعية، وكان طموحاً ومجداً في عمله، وبحكم أنه تبوأ منصباً إدارياً في أحد المصانع، ونظراً لازدياد الطلب على المنتجات الصناعية، فقد ابتكر نمطاً إدارياً سمي بالإدارة العلمية، وفيه شقين هما إدارة الوقت وإدارة الحركة، فقام بدراسة الحركة التي تستهلك طاقةً أقل من العامل في مقابل إنتاجٍ أكبر، ودرس كذلك عامل الوقت الذي يستهلكه كل موظف، فوجد أن الإنتاج يتفاوت من موظف إلى موظف آخر في نفس المدة الزمنية، ليس هذا سبب اللعنة التي لحقت به، بل كل دراساته هذه مازالت مفيدةً ، وهو صاحب فكرة "البونص" في الإنتاج، والتي على إثرها ازداد الانتاج بشكل ملحوظ ومازالت موجودةً حتى اليوم. 

لقد كان تايلور ينظر للإنسان على أنه آلة، أي أنه أحد قطع المصنع التي تعمل بلا توقف، وأن الدافع لتحريك الإنسان الآلة هو المال، ولذلك كان سخياً في تقديم الرواتب والحوافز، ولكنه كان عنيفاً جداً في محاسبة الموظف أو حتى في السماح له بالراحة. 

انتشرت أفكار تايلور وتبنتها معظم المصانع والشركات، فأصبحت ذريعةً جديدة لاستعباد الإنسان الحر تحت الحاجة للمادة والعيش، حتى أحبط الموظف، وأصبح يشعر بأنه فاقد للقيمة المعنوية، ولايشعر بأدنى احترام، مما رفع معدلات تدوير الموظفين، ويعني ذلك أن الموظف لايستمر طويلاً في عمله بل يرغب بشكل مستمر أن ينتقل من مكان إلى مكان آخر، وذلك بسبب عدم الارتباح في بيئة تايلورية، فتدنى الإنتاج كثيراً بسبب ذلك، وخسرت الشركات ماكانت تقدمه للموظفين مقابل التدريب والتطوير، حيث أنها تفقد بشكل سريع الكفاءات المؤهلة، واستمر هذا الوضع حتى أتت دراسات الهاوثورن في نهاية العشرينات وحتى منتصف الثلاثينات من القرن الماضي، والتي وصلت فيها النتائج إلى أن القيمة المعنوية للموظف أهم بكثير من المزايا المادية، أعقبتها مظاهرات شاسعة في عموم أمريكا تدعو إلى إسقاط الفكر التايلوري. 

اليوم لاوجود لهذا الفكر القاسي في الدول المتقدمة، بل أصبح للموظف قيمة مثلى، وأصبح يفخر ذلك الموظف بموقعه الوظيفي وأهميته في المنشأة قبل أن يفخر بحجم الأجر الذي يتقاضاه، إن الإنسان يسعى بطبيعته لتحقيق الذات قبل أن يفكر بشكل حقيقي في تحقيق المادة، ومن حقه أن يسعى. 

مايؤسفني وأنا أكتب عن التايلورية الآن هو أنني أشاهدها حيةً في مرافقنا الخاصة والعامة، فكم سمعنا مراجعاً يقول :"غصب عنك تخدمني انت تستلم راتب ومكلف بخدمتي"، وكم من شخص تحدث عن جامعة أهلية فقال:"أخذوا فلوسنا غصب عنهم يشتغلون"، وتستمر الألفاظ التايلورية لتحقق عبوديةً قبيحة في حق الإنسان وكأنه يبيع كل شيء حتى مشاعره ليأخذ ذلك الأجر. 

في هذا الصدد أذكر قصةً حصلت بين عمال نظافة بمكان عملي، رجل وامرأة من جنسيات آسيوية، شعرت العاملة بشيء من العطش فذهبت إلى ثلاجة ماء وضعت للجميع داخل المركز، فصرخ العامل في وجهها وقال فيما معناه :"هذه ليست لك"، علامات الذهول كانت تبدو عليها بشكل غريب، لتصاب بعدها بقليل بنوبة بكاء شديدة استمرت حتى نهاية الدوام لذلك اليوم. 

حينما تجتمع في أي منشأة بيروقراطية مشوة وأفكار تايلورية فإنها ستصبح بيئة منفرة للموظف والعميل على حدٍ سواء، ولن تحقق شيئاً من أهدافها المرسومة، وستراوح مكانها دون أي نتيجة. 

يجب أن نعلم -كمسلمين أولاً- أن المال الذي يتقاضاه أي موظف هو حق له وليس من قبيل الحوافز والهبات، وأن الجانب الإنساني خلق إسلامي رفيع، يجب أن نعيشه واقعاً في حياتنا، وأن نبني عليه تصرفاتنا كموظفين أو كعملاء، كرؤساء أو كمرؤوسين.

سجل معنا أو سجل دخولك حتى تتمكن من تسجيل اعجابك بالخبر

محرر الخبر

غاليه الحربي
المدير العام
عضو مجلس الادارة ، أديبة وكاتبة

شارك وارسل تعليق