راقية
الاديبة / جمال بنت عبدالله السعدي
صحيفة صدى الحجاز
أشعر بروحها تحوم حولي منذ أيام أهو الشوق لها أم الشعور بالتقصير في حقها ؟!! اليوم ذكرى وفاتها ال٢٨
ياه أنه عمر طويل حرمنا به عذب صوتها و حنان قلبها وفيض عطفها .
راقية وهي راقية بكل لفتاتها وسكناتها وحركاتها . والكل يجمع على ذلك ممن عرفها عن قرب أو حتى عن بعد.
شامخة بشموخ النساء الخالدات ، نبيلة من النبلاء كمن خرجت من صفحات روايات عالمية .
لو قدر لها ان تحظى بقدر من العلم والحصول على شهادات عليا لكنت يقينا أقول أنها ستحتل أعلى المناصب القيادية والريادية . ولكن اجتمعت عليها نكبتان نكبة الهجرة من بلادها ، ونكبة عجز والدها صاحب العائلة الكبيرة والعاجز عن العمل وقد ترك كل أمواله وأعماله مهاجرا بفلذات كبده وبالكاد يطعمهم ويسقيهم ، فضلا عن إدخالهم المدارس لإكمال تعليمهم.
فاتجهت لتعلم الخياطة في سن غضة كما اتجه كل طفل في هذه العائلة الكبيرة للبحث عن مصدر رزق يكفيهم ذل السؤال والحاجة للئام ،بعدما طال أمد اللجوء ولم يعودوا لبلادهم كما وعدهم الساسة وقادة جيوشهم بأنها خمسة عشر يوما فقط ويعودون لبلادهم و لبيوتهم وأرزاقهم ،حالهم كحال الآلاف من الأسر الفلسطينية في ذلك الوقت .
وعندما تزوجت رهنت حياتها لتكون لزوجها العضد والسند والأخت والحبيبة والصديقة ،جعلت جل همها راحته وسعادته وتحملت مزاجيته وتقلبات الأحوال معه فأسرت قلبه حتى ماعاد يجد بين النساء من تخلب لبه بعدها. تنقلت معه بين العز والرخاء والفقر والحاجة وهو مثل شباب كثيرين غيره يسعون لتأمين رزقهم و رزق أسرهم و عائلاتهم .
ولكن أحد قط لا يعلم ما يتعرض له هذا البيت من تقلبات الأحوال و حتى أقرب المقربين إليها.
تدبر أمور بيتها وأولادها بحنكة وحكمة معتبرة أن زوجها وأولادها هم رأس مالها الحقيقي، مؤمنة بالقدر وتقلباته ،موقنة أن بعد العسر يسرا .
فمن يزورها يجد مائدتها تزخر بما لذ وطاب ، وإن جاء العيد عجب الناس من أي المحلات تقتني ملابسها وملابس أبنائها ، كانت تجوب الأسواق لتتابع آخر صيحات الموضة فتشتري الأقمشة وتخيط ملابسها وملابس أطفالها باحترافية واتقان تجعل من يراها يشك انها ليست جاهزة ومن أغلى الماركات .
حكمتها التي ترددها دوما "لا تُرِيَ الأعادي إلا الجلادة" أدمنت الحكم وحفظت ما كتب فيها شعرا ونثرا فكان كتاب جواهر الأدب للهاشمي ملجأها بعد الله عز وجل وذكره وآياته . كان كتاب جواهر الأدب هذا متنفسها وملاذها ونافذتها على الأدب والفكر والثقافة كلما حدبها حدب من خيانة صديق ،ومكر ماكر ،وحسد حاسد .
حتى حسب كل من جالسها او خالطها أنها تحمل شهادات عليا. ومن يناديها بالدكتورة لاتتورع عن ان تنفي حصولها على شهادة الدكتوراة فخورة بأنها لاتحمل سوى الشهادة الابتدائية .
يسعد اصدقاء أولادها وصديقات بناتها بصحبتها والاصغاء لحكاياتها وطلب الاستشارة منها بالعديد من النواحي.متمنين لو أنها كانت والدتهم .
حين سافر زوجها بحثا عن عمل كانت الأم والأب بذات الوقت لستة أطفال تحنو عليهم و تعزز ثقتهم بأنفسهم ،وتحثهم على العلم، وتحضهم على القيم والأخلاق ، ولا تتهاون مع الخطأ والتقصير.
وإذ لحقت بزوجها بعد حين تنقلت معه في القرى والأرياف والهجر في مناطق شدية البرودة وأخرى شديدة الحرارة حسب المشاريع التي كان ينتقل إليها بحكم العمل وضروراته ، لم تتذمر ولم تشتكِ يوما اختلاف ظروف وطبيعة الحياة ، والمعيشة الصعبة في بيئة تختلف تماما عن البيئة التي نشأت فيها دهرا .
صمدت وصبرت حتى رأت أبناءها رجالا و نساء يضرب المثل بحسن تربيتهم . لم يكن الجاه يغريها ولا المال ، بل الهناء وراحة البال في بيت تظلله السعادة والمحبة بين أفراده جميعا .
أمي
يامن رحلتي عنا في أوج زهوك وجمالك و شبابك ،
جعل الله كل ألم شعرت به ،وكل أسى مررت به ، وكل دمعة حزن ذرفتها عيناك ، لك أجرها جنات وعيون .
رحمك الله رحمة واسعة ،وأسكنك الفردوس الأعلى إنه سميع مجيب .













.jpg)
.jpg)


