الأحد, 08 مايو 2022 07:17 مساءً 0 101 0
تناهيد صامتة
تناهيد صامتة

تناهيد صامتة


كنت دوما ما أنظر لذلك المنزل المُنعزل . وأنا في طريقي  أثناء الذهاب والإياب ..فقد كان في أطراف الحي الذي أسكن فيه أثار فضولي ضوء سراجه الخافت الذي ينعكس على النافذة في ظلمة الليل ؛؛ وتأرجح كرسيه الهزاز الذي وضع بجاب الباب ؛؛ فُرِشت الأرض بأزهار الجوري التي تفوح بعبيرها ولونها التي تخطف الأنظار ، وجريان ماء النهر بجانبه من أعالي الجبال ؛؛ وشجرة الأرز الضخمة التي كانت تتخللها أشعة الشمس بمنظر خلاب تغطي سقف  ذلك البيت الصغير ..كم كنت أتمنى أن أطرق بابه لعلي أروي فضولي ليرتاح قلبي . وذات يوم وفي طريقي إختلست النظر ، فقد لفت انتباهي ذلك الكرسي وهو يتحرك ويصدر أزيزا خفيفا ؛؛   لم أشعر بنفسي إلا وأنا بجانب البيت رغما عني  ، فإذا بذلك الرجل الذي غطى  شعره ولحيته البياض  يجلس متكئا على عكازه ينظر إلى السماء ، تحركت قدمي دون أن أشعر ، نعم كسرت خوفي واقتربت منه .. إستدار برأسه ونظر إلي ، لم أعرف ماذا جرى لي !!  لمحت بعينه حزنا لم تراه عيني ، بل شعر به قلبي فاعتصر ألما عليه .. رغم شحوب وجهه  تبسم لي ولم ينطق بكلمة  ؛؛ جلست بجانبه أنظر إليه فإذا به يراقب أشعة الشمس من خلال تلك الشجرة  ، وكأنه يحادثها بلغة لا أفهمها !! أردت أن أكسر صمته فسألته هل تعيش وحيدا ؟  قال لا ،  نظرت إلى داخل المنزل لم أر أحدا  !! فقد كان الهدوء يعم المكان ، و كانت الغرف خالية ليس بها أحد ، ظننت أنه فقد عقله !!  عدت إلى مكاني ولم أحرك ساكنا .. بدأ الخوف يتسلل لقلبي .. إلتفت إلي وقال . البيت يخلو من الأجساد ولكن لا يخلو من الذكريات .. فلكل  ركن قصة  ، ولكل غرفة حكاية ،  هناك أصوات ضحكاتهم  ، وهنا بكاؤهم  ، كل شبر في البيت له لحن يتغنى بهم  ، كيف أكون وحيدا !!  ثم استدار وعاد إلى البيت وهو يمسح دموعه بيده وأغلق الباب .  عدت أدراجي  لبيتي .. 
كان اللقاء أقصر مما توقعت  ، ولكن كان كفيلا أن يترك بي أثرا لن أنساه ما حييت .. نعم  الرحيل للأجساد ولكن تبقى الذكريات.. كانت تلك الكلمات القليلة كافية لإرجاع شريط الذكريات لدي.. فهناك من يريد  مسح  أو تمزيق ذكرياته والهروب منها  وكأنها قصاصة ورقة صغيرة ..  ومنهم من يريد عودتها ولو للحظة كي يعانق من بها ويروي حنينه .  كل على حسب ذكرياته .. أما أنا فلي مع ذكرياتي نغم ممزوج بفرح وحزن وألم وأمنيات .
 عدت إلى بيتي وأخذت أتأمل كل زاوية فيه  ، وأقرأ حكايات رويت عنه ،  إلى أن وقفت على تلك الشرفة مرة أخرى وأنا أنظر إلى نفس البيت وأهمس  لنفسي هل الذكريات شبح يفر منه أو هي شيء ثمين يعيش  البشر معه مدى الحياة  ؟؟؟  

               الكاتبة / سميرة عبدالهادي

سجل معنا أو سجل دخولك حتى تتمكن من تسجيل اعجابك بالخبر

محرر الخبر

غاليه الحربي
مالكة ومدير عام ورئيس التحرير الصحيفة
مالكة ومدير عام الصحيفة أديبة وكاتبة ومنظمة فعاليات

شارك وارسل تعليق

أخبار مقترحة