الاربعاء, 07 أكتوبر 2020 00:06 صباحًا 1 287 0
غشقات ناضِرة
غشقات ناضِرة

غشقات ناضِرة 

لم يطفىء قمره، بل صحا ليموج خلف عروق الغياب، وظل يُدندن من أعالي الغيم على زهرة وقته؛ لعله يقطف فاكهة البهاء في زمن الشتاء، وهي تئن مختالة على حافة الأرض وأصوات الخريف . عبير وأشواق، وذكرى ألحان أنغامٍ تُداعب غربة أيامه ولياليه . صقيع ربما يرحل عنك فجأة، ويتلاشى كالسراب، وربما قد تجده أمامك كالضباب التائه المتواري خلف التراب . حكاية عشق اعتقلته الذكريات فيها، وسرحت به إلى عاصفة هوجاء حاولت أن تسرق منه الدهشة؛ لكي يتحول الحلم الصامت في أوردته البريئة إلى بقايا أوراقٍ مبعثرة تتقمص وداعة المساء الجريء. 
حاول من خلال الصمت، وقلبه في العراء يتريث، ولكن إلى متى؟ والسفينة قادمة بقبطانها
 ولا ميناء يحتضنها. تلك كانت عاطفته التي نسج من خلال ظمأها جياشتها المتراكمة حول السكون ومرآة السحاب. 
فقد ضجر من ذلك الضياء الممتد بخجل فوق هام السحب، فأراد أن يراه كما هو دون وسيط بل امتد به خياله الخافق فوق الرُّبَى إلى أن يراه في الشق الآخر من مضرب الكرة . 
احتدم مع نفسه في تساؤلات غير حانية قبل أن يرتب جلده بأظافره الرقيقة، ويجمع حقيبة وجهه بتجاعيده الأنيقة. 
وبينما هو كذلك في جوفها دون لحافٍ يهدهده من أرضٍ أو سماء، غفا مع حلمه؛ علَّه يجد له متنفساً للصعداء، فقد كانت جدارية النبض في ذكرياته المتوردة برائحتها العبقة وبشوكها، تشده نحو انتعاشة الصبا الذي أدبر 
ولن يعود. 
بل من العسير أن تمتد سطوره بعشق الحياة؛ لكي يعانق أدراجه. 
مداخل كثيرة لأزقة تفكيره، تجوب دفأه النائم، وتتلمس بخوف برودة أطرافه. 
اعتدل في جلسته، ونظر برغم الظلام الذي كان يتوسده ذلك الضياء الذي ضجر منه، و هو على اليابسة؛ فرآه ضاحكاً مبتسماً كزهرةٍ برتقالية امتدت بزرافة
 وهي تحاول أن تنام بألق على صدر أعين الشمس، ورأى على المدى البعيد إغفاءة ذلك الأفق الأرجواني الهارب من العيون الدامعة، و القلوب الحزينة.
في تلك اللحظة كانت النجوم تبحث في غيبوبة وجهه بحذر وربما بخوف من انعتاق القمر وانفلاق الفجر.
 فأي ضياء ربما يبحث عنه فنقطة انطلاقه لم تدغدغ مشاعر شظاياه المائية البريئة، وهو الآن في المنتصف مابين الثرى والثريا وعواطفه لازالت متخفية بين أوشحة الحزن والبكاء، بالرغم من قهقهات من يحيطون به التي بدت معالمها جريئة وهي تتراقص على وجهه ولكن بجروحٍ خريفية غائرة وعميقة، يصل حد نصلها إلى ملامح يأسه.
 ربما لم يتوصل بعد إلى تلك الوحشة التي تخنقها مدافىء الشتاء، وأمل ذلك أن يجد الحقيقة مابين حقول أحلامه، وفصول آلامه، والتي قد تجد طريقها مابين الترنح في عيون الصيف، وانتشاءة الربيع. 
فرح يأمل في أن تهبط عليه قدماه فقد كانت تلك المدينة الناعسة والنائمة بين أحضان الضباب بعيدة، ولكنها قريبة منه كعرس يشتهي أن يكون فيه. 
فهل أتى زمن الشتاء؟ و كيف يأتي وحشرجات النفس بعد تكاد أن تلهو بما تجلى من ضياء، وبرده يكاد يلمسه في دفء عينيها، وهو متكىء لأنغام المساء. نظراته قفزت إلى مكانها الطبيعي بعد ما لفها الصمت نحو ذلك الغادر الهائج، وبالرغم من ذلك فقد كان الضياء المنهمر على عينيه المرهقتين جميلاً بهدوء صادق خالٍ من الزيف، أمده بالراحة، وأبعد عنه تشنج قيثارة الصخب المنصهرة ما بين قيود الخديعة، و سلال الضغينة. 
كان كل شيء لديه و حوله سعيد و مبتهج، و ذلك ما كان يصبو إليه. 
هديرُ لامس أذنيه وهو نائم بعيون شبه مفتوحة على زوايا الليل و كانت كل الأركان معتمة، و الريح تجر أمواج البحر، 
و التجاعيد كانت مشتركة ما بين السكون و الوحدة. 
لازالت نظراته معلقة على ردائه الأبيض، وعلى صمت مسائه المرتعش و على تلك الطيور الملونة التي يسمع ابتسامتها وهي تغني عن هدوء الضياء الساطع و أزهار الحديقة، 
عن الجمال و الإنسان و مدارات الحقيقة، عن احتفاء الريح و الماء و العشب بهجرته الجديدة، عن الفراشات الملونة و هي تختال وليدة، عن رائحة البحر و أحلام القصيدة، عن تلك النبضات الدامعة وهي تنساب وحيدة، 
عن غشقات المطر و هي تعزف لحنها الخالد على أرصفة الثقوب البعيدة. 

الكاتب / د. صلاح عبدالله العرابي

سجل معنا أو سجل دخولك حتى تتمكن من تسجيل اعجابك بالخبر

محرر الخبر

غاليه الحربي
مالكة ومدير عام ورئيس التحرير الصحيفة
مالكة ومدير عام الصحيفة أديبة وكاتبة ومنظمة فعاليات

التعليقات

مشاركة#1
عصام شار عصام شار
يشارك محتوي لـ غاليه الحربي بقسم مقالات
رائع
2020-10-07 10:11ص   

شارك وارسل تعليق

أخبار مقترحة